أحمد بن محمود السيواسي
247
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ظفر وغلبة على المؤمنين ، وسمي ظفر المؤمنين فتحا ، لأنهم يثابون به ونفتح له أبواب السماء للقبول ، وظفر الكافرين نصيبا ، لأنه حقير ، يزول ويعاقبون عليه ، وجزاء الشرط ( قالُوا ) أي المنافقون للكفار ( أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ ) أي ألم نغلب ( عَلَيْكُمْ ) بالموالاة لكم ، من الاستحواذ وهو الاستيلاء على الشيء أو ألم نطلعكم « 1 » على سركم ونخبركم عن حالهم بالإرسال إليكم أخبارهم واستعددتم لهم بمرحمة منا لكم ( وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي ألم ننحكم « 2 » عنكم بأن خذلناهم عنكم فغلبتم عليهم ، فقال تعالى ( فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ) أيها المؤمنون والمنافقون ( يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) [ 141 ] أي حجة أو طريقا بالغلبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما الغلبة للكفار في بعض الأوقات فهي لمظنة في الدنيا ، يصيبونها لا الاستئصال أوليس لهم عليهم سبيل بالشرع ، وبهذا يحتج بعض العلماء على أن الكافر لا يملك العبد المسلم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 142 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) ثم بين حال المنافقين في الدنيا فقال ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ) أي يعاملونه « 3 » معاملة الخادقين باظهارهم الإيمان بألسنتهم وكتمانهم الكفر في صدورهم ( وَهُوَ خادِعُهُمْ ) أي والحال أن اللّه يجازيهم جزاء خداعهم أو يعطون نورا يوم القيامة كالمؤمنين ، فيمشون على الصراط مع المؤمنين ، فيمضي المؤمنون بنورهم ويطفأ نور المنافقين ، فيبقون في ظلمة لا غاية لها ، ثم قال ( وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ) أي متثاقلين لا عن طيبة نفس ورغبة فيها ( يُراؤُنَ النَّاسَ ) بفعلهم الخير لا يريدون به « 4 » وجه اللّه ، ومعنى المراءة أن يرى الناس عمله وهم يرونه استحسانه ( وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ) [ 142 ] أي إلا ذكرا نادرا وهو ما يجاهرون له سمعة للناس أو لا يصلون إلا قليلا ، وهو ما يصلون عند الناس لا في الغيبة عن عيونهم أو المراد بالقلة العدم ، أي لا يذكرونه أصلا ، لأنهم يشتغلون بذكر الدنيا وحطامها ويستغرقون أوقاتهم بحديثها وبحديث الناس واللغو . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 143 ] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) قوله ( مُذَبْذَبِينَ ) نصب على الحال من ضمير « يذكرون » ، أي مرددين يرددهم الشيطان ( بَيْنَ ذلِكَ ) أي بين الكفر والإيمان أو بين المؤمنين والكافرين ( لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ) أي ليسوا مع المؤمنين في التصديق ولا مع الكافرين في ظاهر الكفر ، وهو أيضا حال بمعنى متلونين ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ) عن الهدى ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) [ 143 ] أي طريقا إلى الهدى ، لأنه خذله اللّه عنه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 144 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) ثم نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا فقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بالإخلاص ( لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) ثم أكد النهي بقوله ( أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) [ 144 ] أي حجة ظاهرة على النفاق لتعذيبكم في الآخرة ، لأن موالاة الكفار تشهد على النفاق ، فيكون حجة بينة على التعذيب . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 145 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) ثم بين مستقر المنافقين في الآخرة بقوله ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ ) بفتح الراء والسكون « 5 » ، أي في أخفض مكان ( مِنَ النَّارِ ) وهو قعر جهنم وسمي هاوية ( وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) [ 145 ] أي مانعا يمنعهم من العذاب ،
--> ( 1 ) أو ألم نطلعكم ، ب : أو لم نطلعكم ، م ، أو أو لم ، س . ( 2 ) ننحكم ، ب س : ننحيكم ، م . ( 3 ) يعاملونه ، ب م : يعاملون ، س . ( 4 ) لا يريدون به ، س م : لا يريدون بها ، ب . ( 5 ) « الدرك » : قرأ الكوفيون باسكان الراء ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 86 .